الخطيب الشربيني
221
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ذكر ست دلائل وذكر في أربع منها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ * ولم يذكر في الأوّل وهو قوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ولا في الآخر وهو قوله وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ [ الروم : 25 ] ؟ أجيب : عن ذلك : أما عن الأوّل فلأنّ قوله بعده وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ [ الروم : 21 ] أيضا دليل الأنفس فخلق الأنفس ، وخلق الأزواج من باب واحد على ما تقدّم من أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير والتوكيد ، فلما قال في الثانية إنّ في ذلك لآيات كان عائدا إليهما ، وأمّا في قيام السماء والأرض فلأنه ذكر في الآيات السماوية أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون وذلك لظهورها ، فلما كان في أوّل الأمر ظاهرا ففي آخر الأمر بعد سرد الأدلة يكون أظهر فلم يميز أحدا في ذلك عن الآخر ، ثم إنه تعالى لما ذكر الدليل على القدرة والتوحيد ذكر مدلوله وهو قدرته على الإعادة بقوله تعالى : ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ وأشار إلى هوان ذلك القول عنده بقوله عز وجل دَعْوَةً أي : واحدة مِنَ الْأَرْضِ بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور فيها فيقول : أيها الموتى اخرجوا إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ أي : منها أحياء بعد اضمحلالكم بالموت والبلا فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال تعالى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] فإن قيل : بم يتعلق من الأرض بالفعل أم بالمصدر ؟ أجيب : بهيهات إذا جاء نهر الله وهو الفعل بطل نهر معقل وهو المصدر ، وثم إما لتراخي زمانه أو لعظم ما فيه . فإن قيل : ما الفرق بين إذا وإذا ؟ أجيب : بأنّ الأولى للشرط والثانية للمفاجأة وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط ، ولذلك نابت مناب الفاء في جواب الأولى . تنبيه : قال ههنا : إذا أنتم تخرجون وقال تعالى في خلق الإنسان أوّلا ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ، لأنّ هناك يكون خلق وتقدير وتدريج حتى يصير التراب قابلا للحياة فينفخ فيه روحه فإذا هو بشر ، وأمّا في الإعادة فلا يكون تدريج وتراخ بل يكون بدء خروج فلم يقل ههنا ثم . ولما ذكر تعالى الآيات التي تدّل على القدرة على الحشر الذي هو الأصل الآخر والواحدانية التي هي الأصل الأوّل أشار إليهما بقوله تعالى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال ابن عباس : كل له مطيعون في الحياة والفناء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة ، وقال الكلبي : هذا خاص بمن كان منهم مطيعا ، ونفس السماوات والأرضين له وملكه فكل له منقادون ، فلا شريك له أصلا . ثم ذكر المدلول الآخر بقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي : على سبيل التجديد كما تشاهدون ، وأشار إلى تعظيم الإعادة بأداة التراخي فقال ثُمَّ يُعِيدُهُ أي : بعد الموت للبعث . وفي قوله تعالى وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قولان أحدهما : أنها للتفضيل على بابها ، وعلى هذا يقال : كيف يتصوّر التفضيل والإعادة والبداءة بالنسبة إلى الله تعالى على حدّ سواء ؟ وفي ذلك أجوبة أحدها : إنّ ذلك بالنسبة إلى اعتقاد البشر باعتبار المشاهدة من أنّ إعادة الشيء أهون من اختراعه لاحتياج الابتداء إلى إعمال فكر غالبا وإن كان هذا منتفيا عن الباري سبحانه وتعالى ، فخوطبوا بحسب ما ألفوه . ثانيها : أنّ الضمير في عليه ليس عائدا على الله تعالى إنما يعود على الخلق أي : والعود أهون على الخلق أي : أسرع ؛ لأنّ البداءة فيها تدريج من طور إلى طور إلى أن صارت إنسانا ، والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات فكأنه قيل : وهو أقصر عليه وأيسر وأقل انتقالا ، والمعنى : يقومون بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم يعني : أن يقوموا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن يصيروا